٢٠٠٧/٠٢/٠١

عن مشاهد التعذيب أتحدث




وجدت مؤخرا أن البعض يرفض ويهاجم تداول مقاطع الفيديو والصور الخاصة بالتعذيب في الأقسام والمعتقلات . ويفسرون هذا بأنه انتهاك لحقوق المواطن الذي فُعلت به هذه الأفعال . وأسئلة كثيرة تداول.. ماذا لو كنت مكانه ..هل ستحب أن تُنشر صورك هكذا بهذه الصورة الواسعة؟!. بالإضافة لكلامهم عن شرف مهنة الصحافة ومبادئها .. إلخ ..أيضا بالإضافة لكلامهم عن حقوق الإنسان .
أيضا آخرون يتحدثون عن سمعة مصر عندما يتم نشر هذه الصور والمشاهد .. لذلك كان لابد من رد !.
===========
[دعونا من سمعة مصر الآن.. فكما قرأت أحد الردود في أحد المدونات أنه لا ينبغي علينا نشر مثل هذه الأشياء حرصا على سمعتنا ! .لا أعرف أي سمعة يتكلم عليها هذا الحالم .. ولكن الأهم الآن هو التركيز على فضحهم خصوصا أنها أشياء قد تحدث لي يوما ما أو لأي فرد يسير في طريقه آمنا ..وأملا في محاكمتهم يوما ما، فهي أشياء لا تسقط بالتقادم ! ]
هذا الجزء كنت قد كتبته سابقا في أحد المواضيع التي تتحدث عن نفس المضمون .
وبسؤال يتبادر إلى ذهني الآن
ما هو دور الصحفي والإعلامي .. أو لماذا وجدت مهنة الصحافة ومهنة الإعلام؟
سأجيب بطريقة مبسطة خصوصا وأنني غير دارس بطريقة أكاديمية أو حتى غير أكاديمية!.
دور الصحفي والإعلامي أن يظهرا الحقيقة وأشياء أخرى لا مجال لاستخدامها الحين !.
يكشف الحقيقة أي أن مقابل الكشف هو الستر والتغاضي .. وهذا الفعل"يكشف" يشتق منه العديد من الأفعال المتعلقة بالصحافة والإعلام: يتغاضى - يظهر- يتغافل- يكتّم - يبادر- يفضح
وبصفة عامة قد لا يُنظر إلى فداحة المشهد ومقدار الألم لدى المشاهد طالما أن هناك حقيقة لا تظهر إلا هكذا !.
المصور الذي رصدت عدسته مقتل الشهيد محمد الدرة في أحضان والده :هذا المثل تعمدت أن أسرده لأنه تتمثل فيه كل الأشياء التي تجعل المشاهد ينتفض ويثور ويحزن من مختلف الأوجه
فأولا : مشهد الفزع الذي يرتسم على صورة الأب وابنه كفيلة بأن تجعل البعض يبكي حرقة وألما من حال ضعفهما وذلهما .. وهذا من الصورة الإنسانية البحتة . ونلاحظ أن بكل هذه المشاهد صور من صور "التعذيب" سواء نفسية على والد محمد الدرة وابنه أو على المشاهد الذي شاهد الواقعة . أو روحية أيضا لدى المشاهد المسلم -الحق- الذي أستثير وهو يرى أخاه وهو يهان ويقتل بهذه الطريقة ... إلخ من أشياء كثيرة تعتبر مشاهد تعذيب وحدها في حد ذاتها !.
وثانيا : مشهد قتل الصبي بكل دقة والذي نقله لنا المصور .. صورة تفوق مشهد "التعذيب" الذي سبق وأن عُرّضنا له قبل قتله . صور الرصاص وهو يخترق جسد الصبي .. تعذيب للطفل وتعذيب للوالد وتعذيب للبشرية قاطبة-ذات الضمير-.
تم نقل الصورة لنا.. وانتفض الناس
وكُتبت القصائد من أجل محمد الدرة .. وفُضحوا -الإسرائيليون-على الملأ .. وأحسسنا بضعفنا وهواننا ..حركت مشاعر كثيرة
هكذا نقلت الصورة .. وهكذا كانت النتيجة-بغض النظر عن مدى تأثيرها- .. وهكذا دور المصور .. وهكذا دور الصحافة والإعلام .. في مشهد -كله- لا يخلوه "التعذيب"
ننتقل بصورة سريعة على أحداث التعذيب داخل الأقسام .. وهي الأحداث التي قد تقل في قوتها وبشاعة مشهدها-أو ربما ساوت عند البعض- مقتل محمد الدرة ! .
هذه المشاهد سأتكلم عنها من مختلف اتجاهات الموضوع حتى يكتمل المشهد بصورة أكثر تفصيلية أكثر تحليلية دون أن ننظر إلى الموضوع من نهايته .
السؤال الأول الذي يتبادر للأذهان .. لماذا حدث هذا -أي التعذيب داخل الأقسام والسجون-؟
حدث هذا ضمن مجموعة من الفساد المستشري في مجتمعنا . في ظل ظروف جعلت هذا ممكنا هو وأشياء أخرى .. ظروف تتمثل في صمت وجهل المجتمع وعدم وعيه .. ضعف الصحافة وتخبئة الحقيقة .. انعدام القيم والمبادئ والدين.
مشاهد التعذيب هذه هي أحد النتائج التي ذكرت بعضها .. لذلك فمعظم ما سقته كان ردا على سؤال .. لماذا حدث هذا؟
ويقولون في المثل :-لماذا يا فرعون تفرعنت؟
- لم أجد أحدا يردني !
السؤال الثاني
هل هذه المشاهد حقيقية؟
لعظم الفضيحة حاول النظام المصري الفاسد التعتيم على الأمر ..وعندما انتشر بصورة لم تكن متوقعة !!.. حاولوا اللجوء إلى الكذب في نسب هذه المشاهد لمجموعة من الهواة العابثين !.
وبالطبع لم يصدق العقلاء هذا (ربما صدقه المواطن المصري البسيط الذي ما زال يشاهد التليفزيون المصري وبالتحديد البيت بيتك وحالة حوار!).
يُرفض لأنه قبل أن نرى كل هذا كنا نعرف وجوده !
الكل يعرف مسألة (قفا المخبر) .. ونعرف الضرب في الأقسام .. ونعرف وسائل التعذيب-منذ أمد-.
وباعترافات الكثير من الضحايا نعرف أبشع الوسائل وطرق التفنن في التعذيب . (فيلم الكرنك والبريء وما كان فيهما من تعذيب هي أحداث حقيقية غير مبالغ فيها بالمرة).
الضرب في المظاهرات يؤكد لنا ترسانة الوحشية والمرض النفسي والهمجية التي يتسلح بها جهازي الشرطة والأمن المركزي!.كل هذه الدلائل تؤكد أن هذه المشاهد حقيقية .. وحتى إن لم تكن حقيقة .. فهذا لا يمنع أنه يفعل بالأقسام والمعتقلات مثلها !.
لذلك من الذكريات السيئة الحقيقية السابقة .. تجعلنا لا نصدقهم حتى وإن كانت معهم الحقيقة !.. فمن يثق في هؤلاء الفسدة الآن إما مثلهم أو مغفل أو مجنون !.
لذلك حتى يتم أظهار حسن النية .. يلزمهم السنوات وكثير من المشاهد التي تؤكد لنا هذا .. وليس بمجرد أنهم قالوا هذا فنصدقهم !
تكون القاعدة مع هذا النظام برمته : المتهم مذنب إلى أن تثبت براءته .. أو المعنى الأصح معهم : المتهم مذنب إلى أن يُعدم !.
السؤال الثالث الذي يتبادر إلى الذهن .. ما دورنا تجاه هذا.. ومن القائم على هذا الدور؟
إن دورنا هو إظهار الحقيقة وفضحهم ومحاربتهم بشتى الطرق.. هذا إذا أردنا السير بمصر نحو ما نردده دائما من آمال حسنة !
وهو دور يقوم به كل وطني مخلص حر في مكانه لفضح كل ما هو فاسد .
دور تقوم به الصحافة في المقام الأول وبترسانتها سريعة الانتشار .
دور يقوم به الأدباء في أشعارهم وقصصهم .. وأقرب مثال على هذا رواية (ذات) لصنع الله إبراهيم والتي رصدت بعبقرية هذا الفساد ليقتنع القارئ بأن بلاده يديرها مجموعة من المجرمين !.
دور هيئات المجتمع المدني وهيئات حقوق الإنسان والنقابات والأحزاب لفضح ومعاقبة هذا .
دورنا -أيضا- كأفراد بكل ما نملك من وسائل بدائية .. من نشر كل ما هو فاسد دون اكتراث لنوعية الفساد .. فالخطأ واحد ولن نصنفه على حسب الأهواء من أجل بعض الملاحظات البسيطة بجوار عظم الحدث الأصلي !.
رابع الأسئلة التي قد تتبادر .. وما ذنب الضحايا؟
في الحقيقة إن الضحايا في مصر كثيرون !..ولكن فلنأخذ ضحايا مشاهد الانتهاكات الأخيرة !
بنظرة متأنية .. هم بالفعل أصبحوا ضحايا !.. أي أن نشر هذه المشاهد لن تنقص أو تزيد من كونهم ضحايا !.
من انتهك عرضه في القسم .. لن يستعيد شرفه-بالمعنى المباشر- إذا لم ينشر المشهد أو حتى نشر !.
ولكن..قبل أن نفكر في حق المواطن .. مثل هذه القضايا تتكون من حقين .. مثل قضايا الزنى (حق الزوج+حق مجتمع) :
الحق الأول : هو حق الضحية في عدم عرض هذه المشاهد .. وهو حق يستطيع التخلي عنه أو اكتسابه. وهنا تجب كلمة ولكن بعد أن يُوضّح الحق الثاني والأهم .
الحق الثاني : هو حق المجتمع والوطن والمبادئ والدين.
* حق المجتمع أن يفضح من يقوم بأي انتهاك.
* حق المجتمع في معاقبة المُنتهِك.
* حتى حق المجتمع في أنا يشاهد هذا ليرفضه طالما أنه حدث.
* حق المجتمع في رصد الخطأ حتى يتم تدارك الخطأ وبحث علاجه .. وإلا ازداد وضعنا بصورة أكبر إذا لم ير الخطأ النور !.
(يقول الأطباء إن أولى خطوات العلاج التشخيص الصحيح ).
* حق فرد آخر أن لا يحدث هذا معه أيضا يوما ما.
* حق الدين في بيان الاعتراض على هذه الأشياء حتى يزداد الناس وعيا.
( لا فتوى إلا بسؤال !).
والكثير والكثير من الحقوق التي ربما كان لها موضوع خاص إذا أفردنا المساحات لذكرها !.
لذلك حق الوطن والدين ومجمل الأفراد يتقدم حق الفرد الواحد-إن رفض أن يأخذ حقه!-
عودة مرة أخرى لحق المواطن المتضرر . فكما ذكرت أنه لن يعيد أي نشر لمشاهده بطريقة مباشرة عرضه -إذا كانت القضية انتهاك لعرض- ولكن بطريقة غير مباشرة إذا تمت محاكمة من قاموا بهذا .. سوف يسترد بعض كرامته وعرضه .. نفسيا على الأقل!.
ثم لماذا يرفض هذا المواطن الذي عذب أو انتهك عرضه أن يفضح هؤلاء السفلة؟
هل لكي لا يرى الناس ضعفه أو أجزاء جسده أو فقدانه لكرامته ؟خشية تعرضه لتهديد من نوع ما آخر مستقبلا؟!
إن ما حدث قد حدث .. وأن يُصدم الشخص بهتك عرضه أو بتعذيبه موضوع أكبر من أن نبحث عن صورته أمام الناس !
الأمر أشبه بمن اغتُصبت.. قد لا تتكلم خشية الفضيحة !. وهي في النهاية نجدها قد تضررت نفسيا وجسديا ومستقبليا .. ومن قام بفعله غير مبال ويعيش حياته وكأنه لم يكن وغدا يوما من الأيام!.. بل قد يفعل فعلته مرة أخرى مع أخريات!.
لذلك فالشخص المتزن الذي يدرس الأمور جيدا .. لن يعارض-إذا كان القرار بيده- أن تُعرض الانتهاكات في حقه .. لأنه إن صمت سوف يؤدي هذا إلى لا نتيجة .. بل سوف يؤدي صمته لنتيجة ! .. أن يُفعل هذا مع غيره وأن هذا الظابط الكلب ينام قرير العين .. وهذا في الواقع أشد ألما من أن يشاهده جميع البشر !.
ومع ذلك .. ذكرت في الأعلى-إذا لم تقتنع- أنه يسقط حق الفرد أمام الوطن والدين.. وهذا أعتقد لا كلام عليه !.
آخر الأسئلة
: يتداول الناس هذه المشاهد بصورة خاطئة ولمجرد المشاهدة من أجل المشاهدة هل يصح هذا؟ ثم ما الفائدة وأنت ترى أنه لا
تقدم أو تغير في الفرد بعدما يشاهد مثل هذا؟
من أجل أن توصل قضية .. سيلتف حولك الكثير من التفهة الذين لا فائدة من وجودهم !..هل معنى هذا أن تقف مكانك ولا تقوم بإكمال القضية؟
هل لأنه لا يوجد أي تقدم .. لا نتقدم نحن؟
هل لأنه لا يوجد أي تقدم .. يتبدل الحق باطلا أو تتغير معالم الحق والصحيح؟
لو فكرنا بالطريقة هذه لن نتقدم أبدا أي خطوة ثم لا داعي وقتها عن الكلام عن الحريات ومصر الجميلة التي طالما أملناها والتي بدون هؤلاء الكلاب المفسدين.
وأخيرا.. أرجو أن تكون إجاباتي على هذا الموضوع واضحة ..
وأرجو مقارنة مثل محمد الدرة في أول الرد ثم مقارنته بحقوق الإنسان وحق المشاهد في مشاهدة هذه الآلام وحق نشر الألم .. ثم إذا سلمنا بهذا الحق مع مقتل محمد الدرة -رغم فظاعته- فما بالنا ونحن نتحدث فيما هو أقل أو -على الأقل- لن يفوقه في البشاعة والألم!.
ثم التركيز على واجبات الصحافة والصحفي والإعلامي .. ولماذا مهنة الصحافة من الأساس.. وهل قد يكون الشعب أداة صحفية ناجحة إذا حجمت وقيدت بعض الصحافة الورقية وبعض الإعلام المرئي
وإذا كان الاختيار الأخير أو الحل الأخير لمعاقبة المخطئ هذه الطريقة.. فلماذا التعجب ومم التضرر؟!!



(ملحوظة: الصورة أعلى الموضوع مأخذوة من مجلة الوعي المصري لصاحبها وائل عباس)

هناك تعليقان (٢):

Amr يقول...

أحييك يا حامد على هذا الموضوع الثري وأشير إلى جملة نقاط أحببت إضافتها إلى ما ذكرت

- حياة الشعوب تصنع بالتضحيات الغالية والنفسية ولا تصنع أبدا بالذوق والإتيكيت ، فمن ينادي بذلك لن يرفع مدفعا يوما أو يقدم ولو قطرة واحدة من دمه للوطن

- نشرت صحيفة الفجر الأسبوعية حوارا مع أحد ضحايا التعذيب والذي تم نشر الفيديو الخاص به وهو يتعرض لجريمة اغتصاب، ووافق على إعلان هويته وبالفعل تم نشر الحوار بصورته، فإذا كان صاحب الشأن لا يشتكي فهل نشتكي نحن؟! هذا لو سلمنا جدلا، وجدلا فقط، بأن الشأن مازال بعد شخصيا ولم يصل لمرحلة العمومية

- تنص جميع مواثيق الشرف الصحفي والتشريعات الخاصة بممارسة مهنة الصحافة على ضرورة عدم اقتحام الخصوصيات ولكن تستثنى الحالات التي تمس الصالح العام، وكما ذكرت أنت آنفا ليس هناك صالح أعم من أمن المواطن في بلده

- من يتبنون آراء مناهضة لما يجتمع عليه العقلاء ولا يقفون بكلمة منطق واحدة هم بالأساس أصحاب نظرات أحادية للأمور، ودائما ما يجذبهم الرأي المخالف لما فيه من بريق يتلاءم مع الشخصية التي لا تملك من المعرفة ما يؤهلها للحكم على الأمور بنظرة أكثر شمولا ولا أقول شاملة بالكلية

لك جزيل الشكر على مجهودك

Hamed Ibrahim يقول...

كلام سليم جدا يا عمرو
وده مجالك وانتا أدرى طبعا
شكرا على مرورك